ابراهيم بن عمر البقاعي
251
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
في كونكم رسلا دوننا . ولما كان التقدير : فما أرسلتم إلينا بشيء ، عطفوا عليه قوله : وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ أي العام الرحمة ، فعموم رحمته مع استوائنا في عبوديته تقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا ، وأعرقوا في النفي بقولهم : مِنْ شَيْءٍ . ولما كان الإتيان على ما ذكر محتملا للغلط ونحوه ، قالوا دافعين لذلك : إِنْ أي ما أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * أي حالا ومآلا قالُوا أي الرسل : رَبُّنا أي الذي لو لم يكن لنا وازع عن الكذب عليه إلا إحسانه إلينا لكان كافيا يَعْلَمُ أي ولذلك يظهر على أيدينا الآيات ، ويحمينا ممن يكيدنا ، وهذه العبارة تجري مجرى القسم ، وكذا نحو شَهِدَ اللَّهُ . ولما واجهوهم بهذا التكذيب المبالغ في تأكيده زادوا في تأكيد جوابه فقالوا : إِنَّا إِلَيْكُمْ أي خاصة لَمُرْسَلُونَ * ما أتيناكم غلطا ولا كذبا ، فالأول ابتداء أخبار ، وهذان جوابا إنكار ، فأعطى كلّا ما يستحق . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 17 إلى 24 ] وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 17 ) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 18 ) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 19 ) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ ( 21 ) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 22 ) أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ ( 23 ) إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 24 ) ولما قرروا ذلك عندهم ، اتبعوه بدليله وبالإعلام بأن وبال التكذيب لا يلحقهم منه ضرر ، إشارة لهم إلى الإنذار من عذاب الملك الجبار فقالوا : وَما عَلَيْنا أي وجوبا من قبل من أرسلنا ، وهو اللّه تعالى الذي له الأمر كله إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * أي المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات وغيرها ، فلو لا أنه يعلم لما أمكننا شيء من ذلك كما أن آلهتكم لما لم يكن لها علم لم يقدروا على بيان في أمرها بشيء ، وإذ قد ثبت علم مرسلنا برسالتنا فهو الشاهد لنا بما يظهر على أيدينا وكفى به شهيدا . ولما كان حلول الصالحين بين الناس يكون تارة نعمة وأخرى نقمة باعتبار التصديق والتكذيب والإساءة والإحسان ، فكان قد حصل لهؤلاء الذين كذبوا هؤلاء الرسل بلاء لتكذيبهم لهم من جدب الأرض وصعوبة الزمان ، ونحو ذلك من الامتحان ، ذكر ما أثره ذلك عند أهل القرية فقال : قالُوا ولما كانوا لما يرون عليهم من الآيات